موقع السيد نبيل شاكر الطالقاني

في رحاب رسالة الحقوق للأمام علي بن الحسين عليه السلام

نشر بتاريخ : 8 ايلول 2020

في رحاب رسالة الحقوق

مسؤوليّة الفرد في الإسلام

 

من الأمور التي ينبغي للإنسان أن يعيشها في قلبه وعقله وحياته، قضية أنه ليس حراً بالمعنى الذي لا تحكمه المسؤولية، بحيث ينفتح في الحياة على هواه ومزاجه الذي يأخذه يميناً وشمالاً دون ضوابط.

فالله تعالى لم يُرد للإنسان أن يكون خاضعاً لهواه، وهو الذي تمثله حركة غرائزه التي تعيش وتتحرك داخل تكوين جسده، بل لا بُدَّ للإنسان من أن يرتكز في حياته الإنسانية على قاعدة، تتفرَّع منها كل شؤون حياته، بحيث يدرس كل عملٍ يعمله وكلمةٍ يتفوه بها، وعلاقة ينشئها، وموقفٍ يقفه ويتخذه من خلال تلك القاعدة.

سعي الإنسان

ولذلك، فإنّ معنى أن تكون إنساناً تملك عقلك وقلبك وإرادتك وتتحرك في حياتك هو أن تكون مسؤولاً، حيث تشعر أنك مسؤول عن كل شيءٍ تتحرك فيه إرادتك لتحدِّد هذا العمل بحسب الحدود التي وضعتها المسؤولية عليك.

ولقد حدّثنا الله تعالى: أنَّ كُلَّ الناس سيقفون في اليوم الموعود أمام الله، حين يستمعون إلى النداء، ويبعثون على أساسه: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ}(الصافات:24) فالله تعالى أكّد لكُلِّ الناس أنهم مسؤولون أمامه عن حساب كُلِّ أعمالهم، أكّد المسؤولية الفردية، فلا يتحمل إنسانٌ مسؤولية إنسانٍ آخر، فلكل إنسانٍ وفردٍ مسؤوليته، وعمله، وهو ما بينه وحدّده القرآن الكريم: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}(النجم:39). و{أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}(النجم:38) فأنت كإنسانٍ تكسب ما تقوم به في مسؤولياتك بشكلٍ إيجابي، أو بشكلٍ سلبي يكون عملك فيه سيئاً في ميزان الله تعالى.

العمل والنسب

إن كسب الإنسان هو نتيجة سعيه، فأنت كفردٍ لا تحصل من سعيك وعملك وجدِّك وعطائك وجهادك وتضحياتك على سعيٍ لأبيك أو لأخيك أو لأمِّك حتّى لو كانوا أعاظِمَ الناس وأفضلهم، لأنه لن ينالك في حساب العمل أيّة حصّةٍ منهم، ولن ينالهم في حساب العلم عند الله أيّة حصّة من عملك.

إنّ الانتساب إلى رسول الله(ص) في هذا الموضع انطلاقاً من هذه الفكرة لا يُحقِّق للناس المنتسبين إليه أية قيمةٍ روحيةٍ أو أخلاقية أو عملية {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ}(المؤمنون:101).

وقد روي أن حذيفة يقول: جئت إلى النبي(ص) والعباس عن يمينه وفاطمة عن يساره فقال: "يا فاطمة بنت رسول الله: اعملي لله خيراً فإني لا أغني عنك من الله شيئاً يوم القيامة (أعادها ثلاث مرات) يا عبّاس بن عبد المطلب يا عمَّ رسول الله(ص) اعمل لله
خيراً فإنِّي لا أغني عنك يوم القيامة من اللهِ شيئاً (ثلاثاً) يا صفيّة بنت عبد المطلِّب اعملي لما عند الله، فإني لا أغني عنكِ من الله شيئاً"([1]).

وينقل عن الإمام علي(ع) بن الحسين(ع) زين العابدين أنه شوهِدَ يبكي من خشية الله بكاءً شديداً، فبعد فراغه من بكائه قيل له: "إِنَّ وَلِيَّ مُحَمَّدٍ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَإِنْ بَعُدَتْ لُحْمَتُهُ وَإِنَّ عَدُوَّ مُحَمَّدٍ مَنْ عَصَى اللَّهَ وَإِنْ قَرُبَتْ قَرَابَتُهُ"([2]).

وينقل عن الإمام علي(ع) بن الحسين(ع) زين العابدين أنه شوهِدَ يبكي من خشية الله بكاءً شديداً، فبعد فراغه من بكائه قيل له: أتبكي وجدك رسول الله وأبوك الحسين وعلي وأمك وجدتك فاطمة. فمن يملك هذا النسب لا يخافُ من الآخرة، فأجاب الإمامُ كما ورد في الرواية: "دع عنّي حديث أبي وأمي وجدّي، خلق الله الجنّة لمن أطاعه وأحسن، ولو كان عبداً حبشيّاً وخلق النار لمن عصاه، ولو كان سيّداً قرشياً"([3]). وممّا ورد في الخطبة الأخيرة للنبي(ص) أنّه قال: "أّيها الناس لا يدّعي مُدَّعٍ، ولا يتمنّى متمنٍّ، والذي بعثني بالحق نبياً لا ينجي إلا عملُ مع رحمة اللّه، ولو عصيت لهويت"([4]). ولقد علَّمنا الله تعالى من خلال ما علّمهُ للرسول الله(ص) في خطابه للناس الذين كانوا يريدون ويخططون له لينحرف إرضاءً لهم: {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}(الأنعام:15).

هذا هو رسول الله(ص)، هذا النبي(ص) الذي إنّما ارتفع عند الله تعالى بطاعته لله، وليس بنسبه، لأنه ليس بين أحدٍ وبين الله نسبٌ أو قرابة لأن الله تعالى يؤكد هذا المبدأ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(الحجرات:13).

المسؤولية الإنسانية

إنّ المسؤولية تنطلق من أنك إنسانٌ يملك عقلاً وقلباً وإرادةً وظروفاً تساعدك على القيام بما أوجبه الله عليك لتقف وقفة الحقِّ لحساب المسؤولية، {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ}(الصافات:24).

ففي الإسلام كُلُّ شيءٍ إيجابي لأنه لا تزر وازرةٌ وزر أخرى، فلكل امرئ ما سعى له وما أنتجه، وما قدّمه وبذله وأعطاه. فلو أنَّ إنساناً صالحا آباؤه كفرة، أو مجرمون، أو فاسقون، فإنَّ كفر أبائه أو إجرامهم أو فسقهم أو ضلالهم لا ينقص من عمله ومسؤوليته وقيمته أمام الله شيئاً.

إنَّ الأوزار كثيرة، والوزر هو ما يرتكبه الإنسان وما يجترحُهُ وهو الخطيئة، فلا يحمل إنسانٌ أوزار غيره أو خطاياه، أو آثامه، أو ذنبه، وهذا ما يركّز المبدأ القانوني الشرعي الاجتماعي: أنّه لا يجوز ولا يحقُّ لنا إجرام شخصٍ أن نُعاقِبَ أهلَهُ، أو أبناءَه، أو أقرباءَهُ.

الحالات العصبيّة

ألا تعيش بيئتنا هذه الحالة العصبيّة التي لا يرضى بها دينٌ وشرعٌ وقانون؟ أنّه إذا قتل شخصٌ ما، فإنَّ الجميع يستنفرون للثأر والحقد والضغينة، فيقتلون من لا علاقة له بالجرم إلا لأنّه يحمل القرابة، حتّى وصل الأمر أنّ الاضطهاد والطرد يطالُ جميع عائلة القاتل، وأحياناً يُختار الرمز والقدوة من عائلة القاتل ليشفي غليل الداعين للثأر والقتل والاقتناص ممّن يعتبرونهم أعداءً لهم.

وفي الإسلام لا طبقيّة في القِصَاص، فأنت تقتل شفاءً لغيظك وحقدك وانتقامك.

فمن أعظم من عليّ(ع) بعد رسول الله(ص)؟! هذا الإنسان الذي ارتقى وارتقى فكان الحقَّ كُلَّه، والإنسانية كُلَّها، والعظمة كُلَّها. نرى الإمام عليّاً(ع) في إخلاصه للإسلام وفي وصيّته الأخيرة من حياته، ما يتصل بتعامل عشيرته من بني عبد المطلّب وهاشم مع ابن ملجم، حيث أمر أن يتعاملوا معه تعاملاً إسلاميّاً، فحين جمعهم حوله وهو في حالة الاحتضار قال لهم: "‏يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُلْفِيَنَّكُمْ تَخُوضُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ خَوْضاً، تَقُولُونَ قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَا لَا تَقْتُلُنَّ بِي إِلَّا قَاتِلِي"([5])، لا تقتلوا النَّاس. ولكن امتثلوا لقولِ الله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}(البقرة:179). {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً}(الإسراء:33) فالقتل للقاتل. وهو ما يطرح السؤال التالي كيف يقتل؟ لأنَّ القتل لا يخضع للمشاعر والانفعالات بالمسألة المتعلقة بالقِصاص.

إمام الإسلام

فإذا ما مّلككم الله تعالى القدرة على القاتل فلا تُمثِّلوا به، وهو ما بيّنه أمير المؤمنين(ع): "انْظُرُوا إِذَا أَنَا مِتُّ مِنْ ضَرْبَتِهِ هَذِهِ فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً بِضَرْبَةٍ وَلَا تُمَثِّلُوا بِالرَّجُلِ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص) يَقُولُ إِيَّاكُمْ وَالْمُثْلَةَ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ"([6]).

هذه هي روعةُ الإسلام والقمّة قي تطبيق القانون. ومن خلال هذا نعرف أنَّ الذهنيّة الاجتماعية لدينا، والتي تتحرك في مجتمع المسلمين هي ذهنيةٌ غير إسلامية ولا إنسانية، لأنَّنا إذا عادينا شخصاً لإساءته إلينا فإنّنا نعادي كُلَّ أهله وأقربائه وأنسبائه.

عقلية الماضي

ألا تحكمنا عقلية الماضي المتجذِّر في نفوسنا حتّى بتنا نعيش واقع الخلاف التاريخي؟ فإذا اختلف الأجداد وماتوا على خلافهم، فإنهم يورثون الخلاف للأجيال التالية، ممَّا عقّد العلاقات الإنسانية في الزواج والتواصل والحبّ والودِّ والإنسانية والرحمة نتيجة لخلاف الأجداد.

هذا الواقع دمر كُلَّ حياتنا، وقوَّضَ العلاقات الاجتماعية، وجعل الإجرام يتمكّن من قلوب أفراد المجتمع جميعاً، وجعل الواقع الاجتماعي المتخلِّف اللاإنساني يحاول أن يعكس جريمة إنسانٍ ما على كُلِّ أفراد العائلة والمحيط حوله، حيث تنطلق الدعوات والصرخات لمقاطعتهم، والتنكيل بهم.. فأيُّ تخلُّفٍ أكثر من هذا الواقع المخزي؟

مشاركة في :